الشيخ الطبرسي

71

تفسير مجمع البيان

بالأموات ، وتارة بالصم ، لأنهم لا ينتفعون بدعاء الداعي ، فكأنهم لا يسمعونه . ( إذا ولوا مدبرين ) أي : إذا أعرضوا عن أدلتنا ، ذاهبين إلى الضلال والفساد ، غير سالكين سبيل الرشاد . ( وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ) يعني : إنهم كالعمي لا يهتدون بالأدلة ، ولا تقدر على ردهم عن العمى ، إذ لم يطلبوا الإستبصار . ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) ليس تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا ، فإنهم المنتفعون بدعائك وإسماعك . ( فهم مسلمون ) منقادون لأمر الله . ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأدلة فقال : ( الله الذي خلقكم من ضعف ) أي : من نطف . وقيل : معناه خلقكم أطفالا لا تقدرون على البطش ، والمشي ، والتصرفات . ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) أي : شبابا . ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) يعني : حال الشيخوخة ، والكبر ( يخلق ما يشاء ) من ضعف وقوة ( وهو العليم ) بما فيه مصالح خلقه ( القدير ) على فعله بحسب ما يعلمه من المصلحة . ثم بين سبحانه حال البعث فقال : ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ) أي : يحلف المشركون ( ما لبثوا ) في القبور ( غير ساعة ) واحدة ، عن الكلبي ، ومقاتل . وقيل : يحلفون ما مكثوا في الدنيا غير ساعة لاستقلالهم مدة الدنيا . وقيل : يحلفون ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر غير ساعة ، عن الجبائي . ومتى قيل : كيف يحلفون كاذبين مع أن معارفهم في الآخرة ضرورية ؟ قيل فيه أقوال أحدها : إنهم حلفوا على الظن ، ولم يعلموا لبثهم في القبور ، فكأنهم قالوا : ما لبثنا غير ساعة في ظنوننا ، عن أبي علي ، وأبي هاشم . وثانيها : إنهم استقلوا الدنيا لما عاينوا من أمر الآخرة ، فكأنهم قالوا : ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة ، فاستقلوا حيث اشتغلوا في المدة اليسيرة بما أوردهم تلك الأهوال الكثيرة وثالثها : إن ذلك يجوز أن يقع منهم قبل إكمال عقولهم ، عن أبي بكر بن الإخشيد . ( كذلك كانوا يؤفكون ) في دار الدنيا أي : يكذبون . وقيل : يصرفون . صرفهم جهلهم عن الحق في الدارين . ومن استدل في هذه الآية على نفي عذاب القبر ، فقد أبعد لما بينا أنه يجوز أن يريدوا أنهم . لم يلبثوا بعد عذاب الله إلا ساعة . ( وقال الذين أوتوا العلم والأيمن لقد لبثتم في كتب الله إلى يوم البعث